اسماعيل بن محمد القونوي
430
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
مجاز والسين للتأكيد واختير صيغة المضارع مع أن الظاهر الماضي للتنبيه على أنه لن يفوتنا أبدا إثباته فاختير صيغة الاستمرار ويؤيده قوله أو سنحفظه في علمنا فإن الظاهر الحفظ المستمر وكذا المراد الكتابة المستمرة . قوله : ( أو سنحفظه في علمنا ولا نهمله لأنه كلمة عظيمة ) فعلى هذا الكتابة مجاز والمعنى سنحفظه ونثبته في علمنا لا ننساه كما ثبت المكتوب فيكون سنكتب استعارة تبعية لكن لا حاجة إليه لإمكان المعنى الحقيقي بل الذهاب إلى المعنى المجازي يوهم خلاف المذهب ولك أن تقول إن الكلام محمول على الحقيقة والحفظ لازم له وكلاهما مرادان فقوله أو سنحفظه لمنع الخلو . قوله : ( إذ هو كفر باللّه أو استهزاء بالقرآن والرسول ولذلك نظمه مع قتل الأنبياء ) إذ هو كفر باللّه إن قالوا ذلك عن اعتقاد أو استهزاء بالقرآن إن لم يقولوا عن اعتقاد وهذا الأخير هو الظاهر قوله ولذلك أي ولكونه كلمة عظيمة تكاد السماوات يتفطرن منها نظمه أي قرنه مع قتل الأنبياء إيذانا بأنهما في العظم إخوان الأول قولي والثاني فعلي . قوله : ( وفيه تنبيه على أنه ليس أول جريمة ارتكبوها وإن من اجترأ على قتل الأنبياء لم يستبعد منه أمثال هذا القول وقرأ حمزة سيكتب بالياء وضمها وفتح التاء وقتلهم بالرفع ويقول بالياء ) وفيه أي في قوله : لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ [ آل عمران : 181 ] الآية مبالغات في الوعيد حيث عبر عن إعداد العقاب بالسماع على طريق الكناية وجعل قولهم هذا عديلا حقيقته والثاني تفسير بالمجاز من باب ذكر السبب وإرادة المسبب فإن الشيء إذا كتب يكون محفوظا عن النسيان في عادة الناس ويجوز أن يكون من باب التمثيل تشبيها لحالة حصول ذلك المسموع في علمه تعالى وثبوته فيه دائما بحالة كون الشيء مكتوبا في صحيفة ليدوم ذكره ولا ينسى وفي الكشاف فإن قلت كيف قال : لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ [ آل عمران : 181 ] ثم قال سنكتب قلت ذكر وجود السماع أولا مؤكدا بالقسم ثم قال سنكتب على جهة الوعيد بمعنى لن يفوتنا أبدا إثباته وتدوينه كما لن يفوتنا قتلهم الأنبياء حاصل السؤال أن قد سمع اللّه ماض وسنكتب مستقبل فلا يطابقه وإنما المطابق له لقد كتبنا وحاصل الجواب أن اختلاف الفعلين لتأكيد الوعيد حتى أخبر عنه في الماضي بثبوته وفي المستقبل بإثباته ولذلك أكد الأول باللام القسمية والثاني بالسين لما تقرر من أن سين الاستقبال لتأكيد الإثبات كما أن لن لتأكيد النفي فيكون الكلام مشتملا على طرفي الزمان في ثبوت قولهم فيهما فمعناه لن يفوتنا قتلهم الأنبياء فهو كالشئ المعد بين يدي الكاتب ليطالعه حينا فحينا لينتقم لأنه كتب ونبذ وراء ظهره إلى وقت الانتقام ولذا عطف عليه الماضي المحقق في قوله : وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ [ آل عمران : 181 ] قيل فيه تأمل لما قيل إن الأبد دوام الشيء في الماضي وهو لا يفيد جهة الاستقبال فكان الأولى أن لا يقول لن يفوتنا أبدا بل يقول لن يفوتنا سرمدا فإن السرمد دوام الشيء في المستقبل أقول كون الأبد موضوعا لدوام الشيء في الماضي ليس يثبت فإنه في الاستعمال للدوام الاستقبالي وفي الصحاح الأبد الدهر يقال أبد لبيد كما يقال دهر داهر ولا أفعله أبد الأبيد وأبد الأبدين كما يقال دهر الداهرين .